Publications Headlines
PUBLICATIONS
PUBLICATIONS

محاضرة قانونية معمقة لمدعى عام جبل لبنان كلود كرم حول حماية حقوق الإنسان في مرحلة الإحتجاز

| 18/05/2011 |

محاضرة قانونية معمقة لمدعى عام جبل لبنان كلود كرم

حول حماية حقوق الإنسان في مرحلة الإحتجاز

 

ينظر بعض الناس إلى المدعي العام نظرة قاسية كي لا نقول عدائية حيث لهذا القاضي التنفيذي صلاحية التوقيف استناداً إلى تقارير رجال المخافر والأمن وفقاً لقناعاتهم بما يدونونه في إفادات الذين يستجوبونهم. وكم يتطلب الأمر من المدعي العام ذكاء وحنكة وخبرة في تحليل التقارير والإفادات التي ترد إليه وهي بالمئات يومياً من عشرات المخافر والمراكز الأمنية ليقرر التوقيف أو عدمه ...

في محاضرة المدعي العام الإستئنافي في جبل لبنان الرئيس كلود كرم في بيت المحامي بدعوة من نقابة المحامين، يأخذ المستمع إليه فكرة مخالفة لنظرة البعض المشار إليهم أعلاه، بل يسجل ارتياحاً لآرائه ولما أورده في محاضرته ومن موقفه لما يحصل خلال الإحتجاز والإجراءات الشبيهة بالإحتجاز والنصوص والمبادىء التي ترعى الإحتجاز، ويلفت المستمع إلى مدى تعمق هذا القاضي بالمواد التي تنص على "حماية حقوق الإنسان في مرحلة الإحتجاز" (وهذه كانت عنوان محاضرته التي تألفت من 23 صفحة وكانت مليئة بأسماء كبار الفقهاء العرب واللبنانيين والأجانب الذين يشكلون مراجع قانونية جدية وحاسمة.

 

بدأ محاضرته بالقول "أن دولة القانون تقوم على تحقيق التوازن بين أمن المجتمع واستقراره وحماية حرية الفرد وحقوقه من جهة أخرى. ومن هنا لا يمكن سلب حرية أي فرد من أفراد المجتمع أو الحدّ منها، إلاّ ضمن أصول قانونية محدّدة ترعى قواعد الملاحقة وإجراءات التحقيق الواجب اتباعها بحق المشتبه فيه أو المشكو منه في الجريمة الجزائية وتكفل لهذا الأخير وسائل الدفاع عن نفسه للردّ على ما هو منسوب إليه من دون ضغط أو إكراه ..." ولفت إلى دور المحامي في التوصل إلى إحقاق الحقّ وتطبيق العدالة.

عرّف عن الإحتجاز حسب الفقهاء الفرنسيين (LA GARDE A VUE) على أنه صورة مصغرة عن التوقيف الإحتياطي أو أنه إجراء بوليسي تخوّل السلطة بمقتضاه توقيف كلّ شخص دون أن يكون متهماً للبقاء تحت تصرفها في أماكن رسمية ولمدة قصيرة تقتضيها دواعي التحقيق التمهيدي.

-Bouzat P. et Pinatel J; Traité de droit pénal et de crimonologie procédure pénale Dalloz. Paris 1970 P.1179

-Fayard Marie Claude: Détention préventive et garde à vue en droit francais p. 129

- Merle E. et Vitu A: traité de droit pénal et de crimonologie. Dalloz paris p. 1181

ورجع المحاضر إلى المرجعين الدكتور عبد القادر القهوجي والدكتور عاطف النقيب حيث كان لهما تعريفهما المتقارب مع المراجع الفرنسية.

وإلى تعريف الإحتجاز كان التعريف بـ "القبض" الذي يعني وفقاً لمحكمة النقض المصرية إمساك الشخص من جسمه وتقييد حركته وحرمانه من حرية التجول لفترة زمنية معينة (د. عمر واصف الشريف)

وتحدث المحاضر عن الإجراءات الشبهية بالإحتجاز والتوقيف الإحتياطي وكلاهما ينطوي على حجز للحرية لضرورات التحقيق، وقدم شرحاً مطولاً للآلية التي تتبع في تنفيذ الإجراءات ولم يفته التحدث عن شبه ما سبق مع الإحضار الذي يتضمن إرغام الشخص على الحضور إذا تهرب من الحضور أمام قاضي التحقيق ...

ويقول متابعاً: في كلّ هذه الحالات يبقى موضوع حماية حقوق الإنسان هو الأبرز وهو الواجب مراعاته في إطار أيٍّ من هذه التدابير وبصورة أولى في أثناء الإحتجاز، طالما أنّ التحقيق في هذه المرحلة، يكون في بدايته وأنّ الدلائل الجرمية تكون غير متوفرة وغير ظاهرة وأكيدة بعد. فأين نحن من هذا التوفيق بين مقتضيات التحقيق والإحتجاز من جهة وبين حماية حقوق الإنسان من جهة أخرى.

وأشار الرئيس كرم إلى أن قانون أصول المحاكمات الجزائية الجديد لم يتضمن أي عبارة تؤكد بشكل صريح على مبدأ قرينة البراءة، رغم أن هذا المبدأ ُيعتبر من المبادىء الجزائية الأساسية التي تكرسها معطم القوانين الجزائية في البلدان الديمقراطية (ومنها خصوصاً قانون الإجراءات الجزائية الفرنسي الذي يحال إليه غالباً في لبنان) وكلّ الشرعات والمواثيق الدولية المعنية بحماية حقوق الإنسان، وخصوصاً تلك التي تعترف بها الدولة اللبنانية في مقدمة دستورها.

وقد جاء جاء الصمت ليعبر ضمناً عن عدم الرضوخ المطلق لهذا المبدأ الذي كرسه قانون الإجراءات الجزائية الفرنسي في مادته الأولية على الوجه التالي:

"toute personne suspectée ou poursuivie est présumée innocente tant que sa culpabilité n'a pas été établie. Les atteintes à sa présomption d'innocence sont prévues par la loi …"

       

        وانتقل المحاضر ليتحدث عن مدى الإلتزام بالنصوص وكيفية مراقبة تطبيقها راسماً علامات استفهام حول مدى تقيّد رجال الضابطة العدلية بها ... معدّداً "الأشخاص القابلين للإحتجاز"، وهم بصورة عامة أولئك الذين تتوفر فيهم شبهة قوية على أنهم من مرتكبي الجريمة.

وأسهم في شرح المواد والقيود على اجتجاز وتوقيف المحامي بالنسبة لدعوى القدح والذم والتحقير، وأبرزها الإستحصال على إذن مسبق من مجلس نقابة المحامين بالملاحقة وذلك بالطبع باستثناء حالة الجرم المشهود.

 

فترة الإحتجاز

وخصّص المحاضر عدة صفحات للتحدث عن بدء فترة الإحتجاز ومدته وحقوق الإنسان وشروط الإحتجاز وانتهاء فترة الإحتجاز.

إن فترة الإحتجاز تبدأ في الجريمة المشهودة من يوم وساعة إلقاء القبض على المشتبه فيه أو تنفيذ مذكرة بإحضاره إذا كان متوارياً عن الأنظار. أما في الجريمة غير المشهودة فمن الوقت الذي تقرّر فيه النيابة العامة احتجاز المشتبه فيه. وأنّ أول إجراءات الإحتجاز الأساسية في تلاوة حقوق المشتبه فيه عليه. وهذا ما أكّد عليه الإجتهاد الفرنسي إذ قضت محكمة التمييز الفرنسية ما يلي:

 "Le délai de garde à vue a pour point de départ, le jour et l'heure auxquels cette mesure a été décidée et est mentionné aux procès-verbaux établis à cette occasion" (cass. Crim. 23 mars 1982, Bull 85)

Le délai court: "à compter du début de la garde à vue, c'est à dire de la notification par les officiers de police judiciaire à la personne en cause de son placement en garde à vue dans un local de police ou de gendarmerie" (cass. 1 mars 1994: bull 80)

  

مدة الإحتجاز

وهي مدة واحدة لجميع الجرائم، ما عدا الجنح المشهودة (المادة 46 أصول جزائية) والتي ذهب البعض إلى اعتبار مدتها أربع وعشرين ساعة في الجنح التي تستوجب عقوبة الحبس سنة على الأقل كما كانت قبل التعديل. (د. عبد القادر القهوجي صفحة 146) بخلاف ما هو الوضع عليه في فرنسا.

الرأي الغالب أنه من الممكن عملياً ولدواعٍ جديدة تستلزمها ضرورات استكمال التحقيق، جمع مدة الإحتجاز حتى بلوغ الحدّ الأقصى لها كما يمكن احتجاز المشتبه فيه في كلّ جريمة منسوبة إليه للمدة القصوى شرط أن لا تكون هذه الجرائم متلازمة بحيث يقوم ارتباط وثيق بينهما.

 

 

حقوق الإنسان وشروط الإحتجاز

يخضع الإحتجاز للمعايير الإنسانية التالية كما ُيستفاد من النصوص المتقدمة الذكر:

ـ لا للتعذيب بجميع أنواعه وصوره: أيّ عدم إكراه المتشتبه فيه على الإعتراف وعدم التغرير به للإيقاع به من أجل حمله على الإعتراف بمسؤوليته عن الجريمة وحقه بإلتزام الصمت.

ـ لا للمعاملة الحاطّة من كرامة المحتجز.

ـ لا لأماكن الإحتجاز غير اللائقة، فهناك مواصفات يجب مراعاتها في مثل هذه الأمكنة سواء من حيث المساحة والتهوئة والنظافة والمراقبة.

ـ لا للإختلاط (تفريق المشتبه فيهم بجرائم خطرة وأولئك بجرائم غير خطرة)

ـ لا لإستعمال القوة: لا يجوز لرجال الضابطة العدلية استعمال القوة إلاّ في الحالات التي نصّ فيها القانون على ذلك. وهذه الحالات معدّدة في المادة 221 من قانون قوى الأمن الداخلي رقم 17/1990

ـ لا للتفريط بصحة المحتجز، سواء من حيث النظافة أو الطعام أو المراقبة الصحية من قبل الطبيب.

ـ لا لخرق خصوصيات المشتبه فيه كخرق سرية التحقيق وحرمة المسكن والمستندات الخاصة به دون موافقته أو إذن من النيابة العامة.

ـ لا يجوز خرق قرينة البراءة بعرض المشتبه فيه على وسائل الإعلام.

 

مخالفة الضابط العدلي

وأتى الرئيس على ذكر المواد التي تدين الضابط العدلي على مخالفته لموجباته كحجز الحرية والإيذاء وممارسة العنف والإكراه ... ليصل إلى معالجة الثغرات المتعلقة بحقوق المشتبه به حيث لم يحدّد المشترع أيّ معيار أو ضابط، يمكن اعتماده في تحديد الحالات التي يجوز فيها إحضار المشتبه فيه قسراً وفقاً لما جرت العادة كما لم يحدد الحالات التي يجوز فيها تسطير بلاغ بحث وتحرٍّ بحقه، كما لم ينصّ القانون على حقّ المشتبه فيه في اختيار وسائل دفاعه.

وعلى الرغم من أننا اعترضنا من قبل على منح النائب العام سلطة استجواب المشتبه فيه بنفسه أثناء التحقيق الأولي، إلاّ أننا نلاحظ أنّ من حقّ المشتبه أن يستعين بمدافع أثناء هذا الإستجواب المقول به وأثناء التحقيق الأولي نفسه، مع العلم أنّ قيام النائب العام بمثل هذا الإستجواب يشكّل في حدّ ذاته ضمانة للمشتبه فيه ومع ذلك مكنه القانون من الإستعانة بمحامٍ، فهل يكون سماع الضابط العدلي للمشتبه فيه يمثل ضمانة أكثر له لا تحتاج معها إلى ضرورة حضور محام؟

(القهوجي، المرجع السالف الذكر)

 

ويتابع المُحاضر: ويبدو أنّ المجلس الدستوري الفرنسي قد خطا خطوة متقدمة في هذا الإتجاه إذ أعلن في قرار صادر عنه بتاريخ 30/7/2010 دستورية أربعة من نصوص قانون أصول المحاكمات الجزائية الفرنسي وهي المواد 62 و63 و63-1 و77 إضافة إلى الفقرات 1 إلى 6 من المادة 63-4 منه المتعلقة بالإحتجاز بغية تمكين المحامي من تأمين حضور فعلي إلى جانب موكله المشتبه فيه طوال فترة احتجازه إلى غيرها من الضمانات التي تتلائم مع هذه الفترة.

 

ويتساءل: هل يؤدي استعمال الطرق غير المشروعة للحصول على الدليل الصحيح إلى اعتباره باطلاً وعدم الأخذ به؟ يبدو أنّ الإتجاه الحديث وفي غمرة التركيز على مراعاة حقوق الإنسان يميل إلى الوقوف موقفاً صارماً من استعمال الطرق الغير المشروعة. إلاّ أنّ ثمة من يرى أنه ليس ما يمنع أن يعتمد التسجيل أو التصوير إذا كان يشكّل حلقة من سلسة الأدلة المتوفرة أو كان سبيلاً إلى دليل آخر يوفره التحقيق في الأفعال (يراجع القاضي عفيف شمس الدين ـ أصول المحاكمات الجزائية)

 

الخطر على الحريات الشخصية   

يرى البعض أنّ نصّ المادة 47 أصول جزائية يحمل خطراً على الحريات الشخصية ويناقض الدستور اللبناني والمواثيق والشرعات الدولية المعنية بحماية حقوق الإنسان. فهو يجيز حرمان الشخص من حريته في غياب الشبهات الجرمية التي تدينه وذلك بمجرد تقديم شكوى ضده إلى النيابة العامة، إذ أنه ليس كلّ من يقدّم شكوى ضده يكون بالضرورة شخصاً مشتبهاً فيه، وما يزيد في هذا النص أيضاً خطورة على الحريات هو أنه يجيز تمديد فترة الـ 48 ساعة من الإحتجاز إلى فترة مماثلة، بعد موافقة النائب العام دون إلزام هذا الأخير بإصدار قرار معلّل وحتى دون إلزام الضابط العدلي بإحضار الشخص المحتجز أمام النائب العام ليحقّق معه قبل اتخاذ القرار بتمديد فترة احتجازه، كما نصّت عليه المادة 42 من هذا القانون.

فما هو السند القانوني الذي يرتكز عليه المشترع لتبرير ضرورة صدور قرار معلّل عن النائب العام بتمديد الإحتجاز بعد إطلاعه على ملف القضية في التحقيق في الجريمة المشهودة، والذي لا يجوز الإستناد إليه لتبرير الضرورة ذاتها في التحقيق خارج إطار الجريمة المشهودة. (د. دريد بشراوي في قانون أصول المحاكمات الجزائية).

كما يرى المؤلف نفسه في تعليقه حول أسباب ردّ قانون أصول المحاكمات الجزائية الجديد أنّ الإعتقاد بقصر مدة الإحتجاز، التي كان ينصّ عليها هذا القانون في مرحلة التحقيقات الأولية السابقة لتحريك دعوى الحق العام (24 ساعة قابلة للتجديد مرة واحدة) قبل تعديله، لا يرتكز على سند قانوني مقنع. إذ لا يجوز مبدئياً اتخاذ القرار باحتجاز المشتبه فيه أو المشكو منه إلاّ في التحقيق الأولي الجاري في إطار الجريمة المشهودة أو خارج إطار الجريمة المشهودة. ففي الحالة الأولى تكون الدلائل الجرمية المتوافرة ضد المشتبه فيه موضوعية وأكيدة لإحالته على القضاء المختص في أسرع وقت ممكن لمحاكمته. أما في الحالة الثانية، فتكون الدلائل الجرمية غير متوفرة وغير ظاهرة وأكيدة. ولا يجوز بالتالي إحتجاز الشخص المشكو منه أو المشتبه فيه أكثر من مدة 48 ساعة كحدٍّ أقصى والإبقاء عليه قيد الإحتجاز مدة تتعدى هذا الحدّ بحجة التمكّن من الحصول على المزيد من الدلائل الجرمية الثبوتية، طالما أنه يمكن الحصول على هذه الدلائل عن طريق فتح معاملات التحقيق الإبتدائي لدى قاضي التحقيق بالإدّعاء بموجب ورقة طلب أمامه.

علماً أنّ المجلس الدستوري اللبناني قد اعتبر في قراره رقم 4/2001 الصادر في 29/9/2001 والمتعلق بدستورية القانون رقم 359/2001 الذي عدّل قانون أصول المحاكمات الجديد. رداً على الدفع المدلى به لهذه الجهة0 أن لا ترابط سببي أو عضوي بين تمديد المدة الواردة في كلٍّ من المواد 32 و42 و47 من قانون الأصول الجزائية وقرينة البراءة، أو التجاوزات التي يمكن أن تحصل من إكراه وتعذيب أو إهانة، ما دام هذا التمديد لا ينفي الضمانات التي وضعها المشترع صوناً لحقوق المشتبه فيهم وحفاظاً على قرينة البراءة التي ترافقهم حتى مراحل انتهاء المحاكمة.

وختم الرئيس كلود كرم: وعليه، وإزاء كل ما تقدم، نسأل: هل آن الآوان بعد عشر سنوات من التطبيق لقانون أصول المحاكمات الجزائية الأخير، لإعادة النظر في بعض النصوص الواردة فيه والمتعلقة بالتحقيق الأولي والإحتجاز، لا سيّما في ضوء ما تكشّف في معرض تطبيق هذه النصوص من مسائل شائكة عرضنا لبعضها في سياق هذا البحث؟ علّنا نصل من خلال ذلك إلى ما نطمح إليه جميعاً من تأمين الحماية الفضلى لحقوق الإنسان ليس فقط في إطار الإحتجاز وحسب، بل أيضاً في جميع مراحل التحقيق والمحاكمة...     

 

محاضرة منشورة في مجلة البيان الإقتصادية، العدد 474، أيار 2011

Download Penal law Pdf محاضرة قانونية معمقة لمدعى عام جبل لبنان كلود كرم حول حماية حقوق الإنسان في مرحلة الإحتجاز

Penal law in Lebanon: Criminal Law, Penal Regulations, Lebanon law, Legal Lebanon, Law Services, Droit Penal, Lebanon Justice, Lebanon Human Rights, Organization.

© Copyright LPLA 2018. All rights reserved. DISCLAIMER | PRIVACY POLICY Softimpact