Publications Headlines
PUBLICATIONS
PUBLICATIONS

القاضي جون قزي: تجريم العنف الأسري الممارس على النساء

| 08/03/2011 |

صحيفة النهار

الأربعاء 25 تشرين الثاني 2009

تحقيق

في اليوم الدولي للقضاء على العنف ضد المرأة في 25 تشرين الثاني

القاضي جون قزي: تجريم العنف الأسري الممارس على النساء

واقتراح إنشاء محكمة متخصصة بالنظر في دعاوى استعمال القوة

أثار القاضي جون قزي ضجة في مجموعة قرارات كسر من خلالها جمود النصوص القانونية من دون أن يخالفها، مفسراً الروحية في إطار عصري وإنساني، فما كان جائزاً وناجحاً منذ 80 عاماً ما عاد اليوم نافعاً. أعطى جنسية لأيتام أرملة لبنانية، كي يردع عنهم ظلم الزمان والفقر اللذين ألما بهم، فأثار ضجة حول قراره لم تنته فصولها بعد، ولن!

أقّر بحقّ التبني لعائلة تشريعاً لانتساب طفلة إليها وشطب تعبير "القيد غير شرعي" عن خانتها.



منح الوصاية والقيمومة لأرملة تزوجت مدنياً لرعاية حقوق طفلتها بعدما رفض المرجع الديني المختص ذلك.

وأخيراً أنجز تعديلاً في صياغة مندرجات السجل العدلي، لجهة إعطاء المرأة حقها في أن تخاطب كامرأة عبر قرارين نفذهما وزير الداخلية زياد بارود في 20 حزيران 2009، وصدر النموذج الأول عن السجل العدلي الجديد للأنثى في 13 تموز 2009.

ويصرّ القاضي القزي في حديث لــ النهار على أن المرأة ليست "حرمة" كما جاء في ردّ أحدهم على قراره بمنح الجنسية للأطفال اليتامى، فهي الأم والأخت والإبنة والزوجة والرفيقة الحاضنة الرافدة. ويعتبر إنشاء وزارة لشؤون الأسرة على رأسها امرأة مطلباً ملحاً، ُيعنى بمكوناتها متخصصون خبراء في القانون والإجتماع والإدارة، لنرتقي في ما بعد إلى مجتمع، قانونه في خدمة ناسه وليس العكس. ويدعو إلى إقرار استراتيجية وطنية للأحوال الشخصية عبر طاولة مستديرة تجمع رجال الدولة والمتخصصين في علم القانون والإجتماع، لأنّ الحاجة طارئة وملحة والجميع معنيون بهذا الأمر.

قانون العنف الأسري

بلّغت الضابطة العدلية، النيابة العامة في بيروت، عن حضور سيدة معنّفة إلى أحد المخافر، ومعها ابنتها وعمرها 16 عاماً، أنفها مكسور والدم يسيل منه تشتكي على زوجها الذي ضربها أثر خلاف، وهجم على الفتاة أيضاً. في تفاصيل القصة أنّ الإبنة على علاقة بشاب، والأب يريد تزويجها من قريب لا تحبه، ولإكراهها كان يضربها معنفاً وكلما تدخلت الأم للدفاع عنها ينهال عليها ضرباً، فتلوذ بالصمت، إلى أن كبرت المشكلة عندما تدخلت الأم للدفاع عن بنتها فضربها بالمدفأة الحامية على وجهها، فكسر أنفها وأحرق جزءاً من وجهها. نالت تقريراً طبياً بالتعطيل لمدة 10 أيام فقط (التقرير الذي يتجاوز الأيام العشرة يعني أن الرجوع فيه عن الحق الشخصي لا يسقط الدعوى العامة فتستمر الملاحقة، بينما تقرير لأقل من 10 أيام تسقط التسوية بين الطرفين والملاحقة، بينما تقرير لأقل من 10 أيام تسقط التسوية بين الطرفين والملاحقة والحق العام). بعد إشارة المدعي العام تمّ توقيف الزوج ومحاولة الإصلاح بينهما، لأن لا مخرج للمرأة المعنفة في ظلّ التشريع القائم، لجهة المسكن البديل أو تدبير الحماية أو التخصصية في المعالجة والمتابعة.

هذه الرواية تشبه الكثير مثلها، وللحدّ من هذا الواقع سعت منظمة "كفى عنف واستغلال" مع جمعيات أهلية متحالفة ولجنة من القانونيين قضاة ومحامين، ومع قوى الأمن الداخلي، إلى إعداد صياغة مسودة مشروع قانون حماية النساء من العنف الأسري، الذي سلك مسلكه الطبيعي بصيغة مشروع قانون إلى مجلس الوزراء بعدما أقرته لجنة وزارية قضائية، وبعد الأخذ في الإعتبار الملاحظات الواردة من المحاكم الشرعية والمذهبية والروحية ووزارة الشؤون الإجتماعية.

وجديد المشروع يتلخص بالآتي:

ـ تجريم العنف الأسري الممارس ضد المرأة في الأسرة ولحظ عقوبات خاصة.

ـ تخصصية في الملاحقة والمتابعة والحكم عبر تكليف أحد المحامين العامين الإستئنافيين في كل محافظة لتلقي الشكاوى، وإنشاء قطع متخصصة بالعنف الأسري لدى المديرية العامة لقوى الأمن الداخلي.

ـ إنشاء محكمة متخصصة بالنظر في دعاوى العنف الأسري.

ـ أوامر الحماية تهدف إلى حماية الضحية وأطفالها ومن هم تحت قيمومتها أو وصايتها، أو أحد الشهود، أو أيّ شخص يقدم المساعدة للضحية ويتضمن أمر الحماية إلزام المدعى عليه عدم التعرض للضحية تحت طائلة التوقيف، وإيجاد مسكن بديل، وسداد كل تكاليف العلاج الطبي للضحية.

ـ إنشاء صندوق يتولى مساعدة العنف الأسري.

                                                الأحوال الشخصية

وبما أن العنف لا يكون فقط جسدياً، فإن المرأة تعاني من أشكال أخرى من التمييز والعنف المعنوي، أبرزها ما يلحق بها من إجحاف لجهة القوانين على مختلف الأصعدة. فيقول القاضي القزي أنه لا يستقيم أن يكون المجتمع في خدمة القانون، ولا يمكن أن يتطور أي يجتمع إذا كان ناسه في خدمة نصوص جامدة غير متحركة، لا تتأقلم مع التطورات الحياتية، إنما وعلى العكس إنّ الشرط الأساسي لتطور أيّ مجتمع بشري هو أن يكون القانون في خدمة الناس، ولا يمكن لأيّ شخص يعمل في مجال القانون إلاّ أن يشعر بنفسه معنياً برفع الظلم، فالظلم هو نقيض العدل، وكلّ من ينشد إحقاق الحق يجب أن يسعى إلى رفع نير الظلم عن أي فئة من المجتمع قد يلحق بها. فالمشاهد في حياتنا اليومية يستغرق بغالبه ظلماً نافراً يلحق بالمرأة من المهد إلى اللحد وإلى ما بعد اللحد، وفي إمكاننا القول حتى ما قبل المهد. فالنظرة المجتمعية الموروثة لدى معظمهم تدخل المولودة الفتاة في غياهب التأسف، عندما تتأهب للدخول إلى الحياة، ويستمر هذا الغبن طيلة مسار حياتها.

ـ في التربية التمييز صاعق ما بين الذكر والأنثى، فما يجوز له يحرّم عليها.

ـ في التعليم كذلك الأمر، فله التعليم الجامعي المتقدم معظم الأحيان وحتى السفر في الغالب للتخصص، ولها السقف الضابط في المجمل على الرغم من بعض الإستثناءات حيث الهدف هو أن تتزوج، فهي بمثابة الضيف المنتظر منه الإرتحال في سنٍّ معينة تحت ضغط الترحيل.

ـ في الزواج تزوج الأنثى في بعض الحالات في سن مبكرة، من دون أن تفقه الأمور اللازمة لما ُتقدم عليه، فلماذا لا يصار إلى توحيد سن الزواج بعد رفعه إلى سن الرشد (18 سنة)؟ فالمجتمع بمختلف مكوناته ينحو إلى تدفيع الزوجات في الغالب ثمن فشل الزواج، فيختل التوازن الطبيعي فيه وتسود الظلامة وتنتقص المساواة وتنتهك حميمية العائلة وخصوصيتها، فيتعرقل نمو الأولاد الذهني والعاطفي وحتى الجسدي، طالما أن النزاع المتفجر ضمن العائلة يجتاحها ويجتاحهم بأثاره المدمرة.

ـ أما بالنسبة إلى آلية الطلاق وكيفية إقراره فالمعاناة لا تنتهي، خصوصاً لجهة المصاريف وفي غالبية الحالات فإنّ الوضع الحالي للزوجات لا يمكنهن من تغطيتها أو تأمينها فالكثير منهن لم يتعرفن بعد على مؤسسة المعونة القضائية التي تبرر في حالات العسر منحة الإعفاء من نفقات التمثيل والمحاكمة. أو لجهة الوقت الذي تستلزمه المحاكمات والمرافعة لحين صدور الحكم، وحيث يفضل البعض منهن مرغمات أن يقايضن حقوقهن فيتنازلن عنها للحصول على تسوية للتسريع في صدور حكم الطلاق.

ـ أما الحضانة فليست منة للأم، بل هي حق طبيعي لها، وإذا كانت قوانين الأحوال الشخصية لدى الطوائف وضعت حدّين أدنى وأقصى لمنح الحضانة ونزعها من الأم، فإن الواقع العملي شهد على ظلامة كبرى تلحق بالأطفال، فبين سن السنتين (سن الرضاعة) والسبع سنوات، وبين تسع سنوات و13 سنة، المسألة لا توفى حقها، والحاجة ماسة إلى إقرار تعديلات. هذا إضافة إلى بعض النصوص لدى بعض الطوائف التي تعاقب المرأة على زواجها الثاني بنزع الحضانة قبل السقف المحدد لمصلحة زوجها الأول. فلماذا لا يصار إلى رفع سن الحضانة لدى الطوائف تمهيداً لتوحيدها ما بين الذكر والأنثى فلا ينفصل الشقيقان عن بعضهما البعض، لأن هناك تمييزاً بالسن بين الذكر والأنثى، من حيث سقف الحضانة؟ وهل أن فعل التنشئة اليومية مقيد في الزمان والمكان، أم أنه مفتوح على مساحة عمر الطفل؟

ـ وأما النفقة فباتت مسألة ابتزاز لدى البعض تنال من كرامة الزوجة في معيشتها وفي معيشة أطفالها. فلماذا لا ترتبط في حدها الأدنى بالحدّ الدنى للأجور، على أن يترك القضاء المختص تكييف الحدّ الأقصى تبعاً للواقع العائلي والقدرة على الإلتزام وفق الوضعية المالية الحقيقية؟

- وإذا ما توفى الزوج فالوصاية باتت مسألة أخذ ورد، إذ تحرم منها الأم في بعض الحالات غير المبررة، لتفرض عليها في حالات أخرى مشاركة تنال من حميمية تربيتها لأطفالها، والقيمومة على الأموال هي المثال الصارخ في حالات متعددة على الظلامة التي تلحق بالأم الأرملة عندما يحدد بشروط واقعها المال لجهة الإدارة والتصرف بأموال العائلة التي باتت هي وحدها المعنية بها بعد وفاة زوجها. وهنا لا بد من الإشارة إلى أن الحاجة باتت ملحة لتفسير النصوص المتناولة الولاية الجبرية للأب في شكل يأتلف مع واقع الحال، حيث الأم اليوم تعمل وتنتج مادياً، فلماذا يمنع عليها أن تفتح حساباً مشتركاً مع ولدها القاصر ضمن قاعدتيّ الهبة والمال المشترك (من دون أيّ تعارض مع الولاية الجبرية للأب) هل ُيمنع على الأم أن تهب ولدها مالاً منقولاً؟ وبالنسبة إلى مسألة السفر ومنع السفر فلماذا التفريق ما بين الأبوين، ولماذا لا يستويان لجهة الإباحة بالسفر ومنعه عند الإقتضاء؟ فكلاهما معني بتربية الطفل وتنشئته والمحافظة على حقوقه، وفي حال وقوع مشكلة فإن القضاء يبتّ.

في الجنسية

لن ننسى ما يصيب المرأة في القوانين التي ُتعنى بالأسرة في شكلٍ عام، لا سيّما لجهة الجنسية، حيث الظلامة تلحق بطائفتين من الأولاد والأمهات يميز بينهم على أساس الجنس في حين أن في أساس الإرتباط العمودي في الوطن من أهم شروط المواطنة المساواة والعدالة حقوقاً وواجبات، فهل يعقل أن اللبنانية لا يمكنها أن تلد لبنانية أو لبنانياً؟ وهل يكون كلام عن مواطنة صحيحة عندما ُتحرم الأم المواطنة من حقها الطبيعي في أن تنقل إلى وليدها بطاقة التعريف التي تربطه إلى بلدها، بلده؟ وهل يبقى من معنى لكلمة البلد ـ الأم عندما تحرم من أبسط حقوقها؟ وكيف يكون احترام الولد لأمه عندما لا يحترمها وطنها؟ وكيف يحترم زوجها شخصيتها وكينونتها، وهي غير المعترف بها من بلدها.

قوانين العقوبات

وفي قوانين العقوبات مثالاً صارخ على رجع صدى الظلم الملازم لمشوار المرأة في الحياة، ففي غالبية الأحوال التعاطي يتم معها في شكلٍ فوقي، والذكورية هي الطاغية بمعناها السلبي تعنيفاً وإيذاءً وغيرهما، إلى حدّ الجريمة التي لا شرف يبرّرها، فالرجولة ليست في العنف والوحشية والضرب والتعطيل لحدّ القتل، إنما هي فعل شرف وحضانة. والزنى لا يختلف توصيفاً ما بين الزاني والزانية لكيّ يحلّل له ما لا يحلّل لها، وأسباب التبرير والتخفيف ليست حكراً على الرجل فالجريمة جريمة.

وما عادات مجتمعنا، في بعضها الضارب عمقاً في تقاليد باتت غير ملائمة، إلاّ المثال على البعد ما بين النص والحاجة إلى إعادة الصياغة في النفوس، بحيث نقبل بأن تتبوأ قاضية سدة القوة وتحكم، مثلها مثل زميلها الرجل، ولو في القضايا الجنائية، وأن تكون هناك نائبة عامة ورئيسة لمحكمة الجنايات وقاضية تحقيق يمارسن مهماتهن وتطبق قرارتهن أسوة بزملائهن، فالقضايا الجنائية ليست حكراً على الرجال.

                                            قانون الوظيفة العامة والعمل

طالما أنّ المرأة الموظفة تخضع لشروط التوظيف عينها التي يخضع إليها زميلها الموظف، فلها أن تتمتع بالحقوق عينها، لا سيما إذا تزوجت وباتت لها أسرة، ولا يستقيم أن يفرض عليها شرط الإعالة عند مرض زوجها أو تعوّقه لكي تفيد من التقديمات نفسها التي يفيد منها الرجل الموظف، فالمرأة الدبلوماسية التي تمثل لبنان في الخارج عندما تعين في دولة أجنبية، وتنقل معها أولادها بحكم الوظيفة، لا تفيد من بدل الإنتقال (بطاقات السفر) أسوة بزميلها الدبلوماسي الرجل، حتى أن جواز السفر الدبلوماسي لا يمكنها أن تمنحه لزوجها اللبناني أسوة بزميلها مع زوجته، إلا أخيراً ومنذ مدة وجيزة، بعد مبادرة شخصية من المرجع الإداري المختص وباجتهاد منه.

ولجهة العمل والأجر فهل يبرر التمييز ما بين العامل والعاملة اللذين يمارسان العمل نفسه، فيقبض هو أجر أعلى من أجرها؟ وهل تنصف قوانين العمل المرأة جسدياً ومهنياً ولجهة الأمومة التي باتت كابوساً لدى بعض المؤسسات الكبيرة؟

ولا ننسى ثقافة التعريف عن المرأة في كتبنا وتربيتنا المدنية، لا تعترف بها، فهي شخص مجهول يذكر دائماً، فتاء التأنيث كافرة ولو ثارت أخيراً، ومن الصعوبة أن تعرّف المرأة بأنها امرأة فإن في ذلك، وفق رأيهم، مخالفة لقواعد اللغة المنسحبة على عادات المجتمع البالية البائدة مع أن العكس هو الصحيح. وما قرار السجل العدلي الأخير إلاّ الدليل في المعاناة التي تثور والحاجة إلى التعديل. إضافة إلى الأمثال الشعبية التي تحقر المرأة ويرددها الرجل متهكماً أحياناً وممازحاً أحياناً أخرى، وإن كان كما يقال: "ثلاثة أرباع المزح جد".   

هذا غيض من فيض ما يعانيه مجتمعنا من خلل بنيوي عندما يظلم نصفه بحجة حماية نصفه الآخر، وهذا الظلم بوطأته المعنوية قد يكون أشد إيلاماً من إطاره الجسدي. ومصلحة العائلة تتحقق عندما ترتاح المرأة فيها إلى موقعها وواقعها، فتعطي من دون حساب فيرتاح الرجل شريكها بنجاح الشراكة ويستقر الأولاد ثمرة هذه الشراكة. ولكي تتحقق العدالة لا بد من قاض ينطق بحق ومن مسؤول يحسن التلقف.

 

النهار في 25 تشرين الثاني 2009   

 

Download Penal law Pdf القاضي جون قزي: تجريم العنف الأسري الممارس على النساء واقتراح إنشاء محكمة متخصصة بالنظر في دعاوى استعمال القوة

Penal law in Lebanon: Criminal Law, Penal Regulations, Lebanon law, Legal Lebanon, Law Services, Droit Penal, Lebanon Justice, Lebanon Human Rights, Organization.

© Copyright LPLA 2014. All rights reserved. DISCLAIMER | PRIVACY POLICY Softimpact Softimpact Web Design and Development